أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

76

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله : وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ . الكاف أمرها واضح من كونها نعتا لمصدر محذوف ، أو حالا من ضمير ذلك المصدر ، كما هو رأي سيبويه « 1 » . والإشارة بذلك إلى التفصيل السابق ، تقديره : مثل ذلك التفصيل البين ، وهو ما سبق من أحوال الأمم نفصل آيات القرآن . وقال ابن عطية : والإشارة بقوله : « وَكَذلِكَ » إلى ما تقدم من النهي عن طرد المؤمنين ، وبيان فساد منزع المعارضين لذلك . وتفصيل الآيات : تبيينها وشرحها . وهذا شبيه بما تقدم في قوله : وَكَذلِكَ فَتَنَّا ، وتقدم أنه غير ظاهر . قوله : وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ قرأ الأخوان ، وأبو بكر : « وليستبين » بالياء من تحت « سَبِيلُ » بالرفع . ونافع : « وَلِتَسْتَبِينَ » بالتاء من فوق ، « سبيل » بالنصب . والباقون بالتاء من فوق « سَبِيلُ » بالرفع ، وهذه القراءات دائرة على تذكير « السبيل » ، وتأنيثه ، تعدى « استبان » ولزومه . وإيضاح هذا أن لغة نجد وتميم تذكير « السبيل » ، وعليه قوله تعالى : وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا « 2 » ، ولغة الحجاز التأنيث ، وعليه : قُلْ هذِهِ سَبِيلِي « 3 » ، وقوله : 1945 - خلّ السّبيل لمن يبني المنار بها * . . . « 4 » وأما « استبان » فيكون متعديا ، نحو : استبنت الشيء ويكون لازما ، نحو : استبان الصبح ، بمعنى بان فمن قرأ بالياء من تحت ، ورفع ، فإنه أسند الفعل إلى « السبيل » ، فرفعه به على أنه مذكر ، وعلى أن الفعل لازم . ومن قرأ بالتاء من فوق فكذلك ، ولكن على لغة التأنيث . ومن قرأ بالتاء من فوق ونصب « السبيل » ، فإنه أسند الفعل إلى المخاطب ، ونصب « السبيل » على المفعولية ، وذلك على تعدية الفعل ، أي : ولتستبين أنت سبيل المجرمين ، فالتاء في « تستبين » مختلفة المعنى ، فإنها في إحدى القراءتين للخطاب ، وفي الأخرى للتأنيث ، وهي في كلا الحالين للمضارعة . و « تستبين » منصوب بإضمار « أن » بعد لام « كي » . وفيما تتعلق به هذه اللام وجهان : أحدهما : أنها معطوفة على علة محذوفة ، وتلك العلة معمولة لقوله : « نُفَصِّلُ » ، والمعنى : وكذلك نفصّل الآيات لنبين لكم ولتستبين . والثاني : أنها متعلّقة بمحذوف مقدر بعدها أي : ولتستبين سبيل المجرمين فصّلناها ذلك التفصيل ، وفي الكلام حذف معطوف على رأي ، أي : وسبيل المؤمنين ، لقوله تعالى : سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ « 5 » . وقيل : « لا يحتاج

--> ( 1 ) انظر الكتاب ( 1 / 126 - 128 ) . ( 2 ) سورة الأعراف ، آية ( 146 ) . ( 3 ) سورة يوسف ، آية ( 108 ) . ( 4 ) صدر بيت لجرير من قصيدة يهجو بها عمر بن لجأ التميمي انظر ديوانه ( 219 ) وعجزه : . . . * وابرز ببرزه حيث اضطرّك القدر انظر الكتاب ( 1 / 254 ) ، ابن الشجري ( 2 / 242 ) ، التصريح ( 2 / 195 ) ، ابن يعيش ( 2 / 30 ) ، الأشموني ( 3 / 191 ) ، الصاحبي ( 300 ) ، ورواية صدره في الديوان . خل الطريق لمن يبنى المنار به * . . . وعليها لا شاهد . ( 5 ) سورة النحل ، آية ( 81 ) .